أبو حامد الغزالي

293

تهافت الفلاسفة

خاتمة فإن قال قائل : قد فصلتم مذاهب هؤلاء ، أفتقطعون القول بتفكيرهم ، ووجوب القتل لمن يعتقد اعتقادهم ؟ ! . قلنا : تكفيرهم ، لا بد منه ، في ثلاث مسائل : ( ا ) إحداها : مسألة قدم « 1 » العالم ، وقولهم : إن الجواهر كلها قديمة .

--> ( 1 ) هذه مسألة عويصة ، حارت فيها العقول ، وتبلبلت الأفكار يدل على ذلك قول « جالينوس » : « لا أدرى ، العالم قديم أم محدث ؟ ! » ، وتعليق « الإمام الرازي » عليه بقوله : « وهذا دليل على أن « جالينوس » كان منصفا ، طالبا للحق ، فإن الكلام في هذه المسألة ، قد يقع من العسر والصعوبة إلى حيث تضمحل أكثر العقول فيه » . وإذا رحنا نستفتى الغزالي نفسه ، عن اضطراب العلماء وزلزلة أفكارهم في أمثال هذه المواطن وجدناه يقول : « ولا ينبغي أن يكفر بعض النظار بعضا ، بأن يراه غالطا فيما يعتقده برهانيا ، فإن ذلك ليس أمرا هينا ، سهل المدرك » . على أن بعض العلماء المشهود لهم برسوخ القدم في علوم الشريعة ، يروى عنه القول بشئ من ذلك ، قال « الدواني » في شرح « العضدية » . « وقد قال بالقدم الجنسي - بأن يكون فرد من أفراد العالم ، لا يزال على سبيل التعاقب موجودا - بعض المحدثين المتأخرين ، وقد رأيت في بعض تصانيف « ابن تيمية » القول به في العرش » . وقد علق « الأستاذ الإمام » على هذا بقوله : « أي قال بقدم العالم بالجنس ، أي أنه لا يزال فرد من أفراد العالم موجودا ، وما من جزء من أجزاء الزمان ، إلا وقد كان فيه حادث ، إلى غير النهاية ، بعض المحدثين ، الآخذين بظاهر الأحاديث ، لما أنهم قد رأوا فيها ما يدل على ذلك ، وبه قال « ابن تيمية » على ما نقل عنه الشارح ، وذلك أن « ابن تيمية » كان من الحنابلة ، الآخذين بظواهر الآيات والأحاديث ، القائلين بأن اللّه استوى على العرش جلوسا ، فلما أورد عليه ، أنه يلزم أن يكون العرش أزليا ، لما أن اللّه أزلي ، فكأنه أزلي ، وأزلية العرش خلاف مذهبه ، قال : إنه قديم بالنوع أي أن اللّه لا يزال يعدم عرشا ويحدث آخر من الأزل إلى الأبد حتى يكون له الاستواء أزلا وأبدا » . بل إن بعض العلماء الذين يعتبرون من أركان نهضة علم الكلام ، قد جوز القول بقدم العالم . ولم ير فيه خطرا على العقيدة ، ذلك هو « المولى الخيالي » ، و « عبد الحكيم السيالكوتى » ، إذ يقرر « سعد الدين التفتازاني » شارح « العقائد النسفية » : « أن القدم ينافي العدم ، لأن القديم إن كان واجبا لذاته ، فظاهر ، وإلا لزم استناده إليه بطريق الإيجاب ، إذ الصادر عن الشئ بالقصد والاختيار ، يكون حادثا بالضرورة . . . إلخ » . فلا يرضى « الخيالي » عن قول « السعد » : « الصادر عن الشئ بالقصد والاختيار ، يكون حادثا » ويجوز أن يكون الشئ صادرا بالقصد والاختيار ، ومع ذلك يكون قديما ، وهذا نصه : « واعترض عليه ، بجواز أن يكون تقدم القصد الكامل ، على الإيجاد ، كتقدم الإيجاد على الوجود ، في أنه بحسب الذات لا الزمان فيكون مقارنا للوجود زمانا » . ومتى جاز مقارنة القصد للإيجاد زمانا ، والإيجاد مقارن للوجود زمانا أيضا ، كان القصد مقارنا للوجود زمانا . فمتى كان القصد قديما - وهذا ما لا استحالة فيه - كان الوجود قديما . ويعلق « عبد الحكيم » على وجهة نظر « الخيالي » فيصورها تصويرا واضحا ولا يعقب عليها بنقد ، مما يدل على رضاه عنها . وما دام خوف المتكلمين من القول بعدم العالم ، راجعا إلى ما يؤدى إليه ، من لزوم أن يكون الباري فاعلا بالإيجاب وقد كان هذا هو المحور الذي يدور عليه خلاف الغزالي للفلاسفة ، وما دام يمكن تفادى هذا اللازم ، فلا ضير إذن في القول بقدم العالم ، إن صح دليله . وشبيه بموقف « الخيالي » من هذه المسألة ، موقف « توماس الإكوينى 1225 - 1274 » حيث يقول : « الإرادة الحرة ، لا يمكن الفحص عنها بالنظر الصرف ، فقد يكون اللّه خلق العالم منذ القدم ، وقد يكون خلقه في الزمان ، ولا يمكن إثبات أحد الطرفين بالبرهان » .